The Syria of today offers tourists as much a cultural experience as a sightseeing one, where ancient history provides a fascinating backdrop to everyday life on the streets                          

 


 

 السياسي المرح يدرك ما لا يدركه السياسي العبوس

 الشعب الذي لا يبتسم ولا يضحك لا يسطيع مجابهة المصاعب والآلام

 القى الزميل الاستاذ حبيب كحالة محاضرة في النادي العربي مساء الثلاثاء المنصرم 5 نيسان(*) كان موضوعها (النكتة السياسية) وكانت آية في الطرافة، فيما حوته من معلومات عن أثر النكتة في حياة الشعوب، واثرها في الحروب.

وننشر فيما يلي نص هذه المحاضرة القيمة:

سيداتي سادتي

اعتقد ان إدارة هذا النادي الموقر قد أحسنت صنعاً بافساح المجال للتحدث في مثل هذه الايام العصيبة في موضوع يمت للنكتة بصلة. لأن النكتة تبعث في النفوس المرح والابتسام، وهذا يعينها على تحمل مشاق الحياة وويلاتها، فالشعب الذي لا يبتسم ولا يضحك لا يستطيع ان يجابه المصاعب والآلام، ولا يستطيع ان يستهين بمشاكل الدهر وتقلّب الايام.

المرح والخلافات

وانا اعتقد جازما انه لو استعان الناس بالمرح والابتسام في فض خلافاتهم وحل مشاكلهم، لاستطاعوا ان يتغلبوا عليها كلها، ولما قامت هناك منازعات وخصومات، وهكذا فالسياسي المرح يدرك ما لا يدركه السياسي العبوس، وكذلك الموظف المرح والتاجر المرح والطبيب المرح، والزوج المرح ايضا.. لأن المرح من أهم عوامل النجاح، بل من أسباب السعادة، فالسعيد ضحوك، والسعادة لا تأتي الا للذين يحسنون استقبالها.

 

تعليل في فوائد النكتة

وليسمح لي الاطباء ان أنقل تعليلهم في فوائد النكتة للجسم طبيا، فهم يقولون، ان في جسم كل انسان غدة تعلو الكلوة تسمى بالكظة.. وهي تفرز مادة تسمى الادرونالنين، كلما اضطرب عصب الانسان أو كلما تأثر أو انفعل أو ساوره هم أو نكد، وهذا الادرونالنين يقبض الاوعية الدموية بشدة، فنرى الشخص المهموم دائما، شاحب اللون أصفر الوجه بسببه. هذا فضلا عن ان كثرة إفراز هذه المادة يسبب ما يسمى بتصلب الشرايين أو ارتفاع الضغط.. ويزيد الاطباء على ذلك فيقولون ان ضرر هذه الاضطرابات والانفعالات النفسية، ومجابهة هذه المشاكل على هذه الصورة لا يقف عند حد زيادة الادرونالنين، بل يزيد في سكر الدم ايضا، وبتكرار هذا يحدث المرض المسمى بالسكري، وهو مرض اضحى في هذه الايام المملوءة بالمشاكل والصعوبات مرضا عاما تقريبا، وعليه كان الاطباء ينصحون بالابتعاد من حين الى آخر عن هذه المشاكل والويلات، والعمل على جلاء ما تراكم في الصدور والاعصاب من سموم الهموم بوساطة النكتة، أو بقراءة الصحف الهزلية، ومشاهدة الافلام المضحكة، وتجنب كل ما يثير القلق والهم، فالانسان اذا لجأ الى هذا فإنما يظفي على روحه نوعا من المرح والسرور فينجلي ما تراكم على أعصابه من صدأ وسموم، ويقل عندئذ السكر في الدم، وتشد في الأوعية الدموية وعندها يحس بشعور السعادة النابع في الصدور ويشعر بالراحة الفكرية وبالهناء الطبيعي فيعود اكثر نشاطاً وأشد حماسا لمجابهة مشاكل الأيام.

 

وصفة طبية

هذا هو الرأي الطبي في هذا الموضوع، وقد تكون دعوة النادي العربي حضراتكم الى سماع محاضرة في النكتة عبارة عن وصفة طبية وذلك بعد ان أحس بالمشاكل التي تنتاب الامة في هذه الايام، وبالكآبة التي تظهر على وجه كل واحد منا، وبعد ان لمس مؤثرات الحوادث المثيرة التي تنشر عنها الصحف من وقت الى آخر وتدعو الى القلق والاضطراب، كالضغط الاجنبي مثلا، وتبادل المذكرات السياسية والارتباك في العمل، والتفكير للخروج من هذا المأزق الذي نتخبط فيه.. فاذا كان هذا قصده، فقد أحسن عملا كما قلت، لأننا اليوم في حاجة لأن نبتعد ولو قليلا عن جميع هذه المؤثرات، وبحاجة لأن نرفه عن أنفسنا ولو ساعة من الزمن لنفرغ عن كبتنا ونستطيع ان نجابه الموقف بحزم أكثر وثبات أشد، وتفاؤل أعم.

 

الحكومات والنكتة

ويظهر ان بعض الحكومات تشعر بالواجب عليها نحو الاهلين في تأمين هذا التزين للناس، حتى قالوا ان في هولندا تلفونا اذا أدرت قرصه في الصباح تسمع منه نكتة مضحكة، وقد اعتاد أكثر الهولنديين قبل الذهاب الى عملهم صباحا ان يديروا هذا القرص حتى يسمعوا ما يضحكهم ويروح عن أنفسهم فيذهب كل واحد منهم الى عمله بنفس مرحة، وأعصاب مرتاحة.. وقد قال علماء النفس ان الذي لا يضحك يجب ان لا يوثق به لأنه شخص لا ينسجم مع المجتمع الذي يعيش فيه!

 

النكتة والتهذيب

هذا من جهة، ومن جهة ثانية فيجب ان لا ننسى بأن النكتة تهذب الاخلاق وتدعس الطباع، وقد قال أحد فلاسفة الصين ويسمى لندبوتنج ان بعض ما في طغاة الحكم هو افتقارهم الى روح النكتة، فهم ابداً متجهمون، متعاظمون، غضوبون، وواحدهم ينتفخ صدره كبراً واعتداداً بنفسه حتى يفقد روح الفكاهة فيفقد معها كل ذرة من حسن التقدير.

ثم قال وما ينطبق على الافراد ينطبق على الجماعات لأن الناس اذا اوتوا نصيبا من الفكاهة أوتوا رشاد العقل وبساطة التفكير، ورقة الطباع وحسن التبصر بشؤون دنياهم.

 

النكتة في الايام العصيبة

ولا حاجة لأن اذكر ان الانسان أحوج الى التسلية والنكتة في الايام العصيبة منها في ايام السلم والهناء، فالنكتة كما قال برناردشو تحلو في الايام العصيبة ويشعر الانسان بالجوع اليها، لأن الصدر الممتلئ بالهموم يتطلب ما يسليه عنه همومه، ويروح عنه آلامه كما يتطلب الجائع الطعام تماما، وعلى هذا فقد دلت الاحصاءات الماضية على ان دور التسلية في زمن الحرب الماضية في انجلترا كانت اكثر ازدحاما منها في أيام السلم، وان المسارح الهزلية، والصحف الهزلية كانت أكثر رواجا في ذلك الوقت من المسارح الجدية، لأن الانسان يفتش دائما كما قلت على ما يسليه عن همومه، ويروح عن صدره فهو يقرأ النكتة لهذه الغاية.

 

تعريف النكتة

وما دام البحث يتعلق بالنكتة فمن واجبنا قبل كل شيء ان نأتي على تعريفها. ما هي النكتة؟ وما هي انواعها؟ ولماذا نضحك؟

ان النكتة مهما كثر تعريفها فهي لا تخرج عن الجواب الذي تسمعه، أو الحادثة التي تصادفها، أو الرسم الذي تشاهده، فيرتاح له صدرك، ويدعوك الى ضحكة اما ان تكون فيها الدهشة والاعجاب، واما ان تكن فيها السخرية والشفقة.

على ان بيرنديللو زعيم النكتة الحديث يرى نوعا آخر من النكتة، وهو الذي يأتي عن طريق التناقض في الاستياء أو عن طريق المبالغة أو التحوير في الحقائق، وقد أتى بمثل على وجهتي التناقض بامرأة عجوز كشراء تتبرج، أو برجل وقور يلبس السموكين وقد زلّت به قدمه فسقط في الطين، وهو يرى ان مظهر تلك المرأة العجوز على هذا الشكل انما هو نكتة لأن هناك تناقضاً بيّنا بين عمرها وحركتها. ومشهد ذلك الرجل الوقور الذي سقط في الوحل وتمرغ في الطين انما هو نكتة لأن هناك تناقضا بين وقاره وبين ما صار اليه.

فالنكتة اذن ليست جوابا تسمعه فقط بل مشهد غريب تصادفه ايضا أو صورة كاريكاتورية تشاهدها لأنها صدرت في حقائق الرجل وبالغت في إظهار عيوبه الطبيعية، وقد تضحك لنكتة يتجلى فيها الذكاء كما تضحك لنكتة كلها سخف بل قد تضحك لنكتة لشدة سخافتها اكثر مما تضحكك النكتة لشدة الذكاء الظاهر فيها.

النكات تعبر عن نفسيات الشعوب

والنكتة تدل غالبا على روح الشعب الذي صدرت عنه أو انها تعبر عن نفسيته وأخلاقه وطباعه فاذا قرأت النكات التي تروى عن الانجليز مثلا عرفت شيئا من طباعهم وكذلك اذا قرأت النكات التي تروى عن الاميركيين والاسكتلنديين والفرنسييين، وعن أمم الشرق، وغيرها فانك تعرف حقيقة طباعهم من سماع نكاتهم.

وعلى سبيل المثال أورد لكم بعض نكات رويت عن كل أمة من هذه الامم لتستدلوا على أخلاقها وطباعها، فقد أرادوا ان يبرهنوا على برودة طباع الانكليز مثلا، فقالوا ان انجليزيين كانا مسافرين في عربة واحدة في قطار واحد، وكانت حقيبة كبيرة موضوعة على أرض العربة أمام أحدهما، فجاء المفتش، وطلب من الرجل القريب من تلك الحقيبة ان يرفعها ويضعها في الرف لأنه ممنوع وضع الحقائب على الارض، ولكن الرجل لم يجب سوى انه رفع رأسه علامة الرفض، وأصر المفتش على الرجل بأن يرفع الحقيبة وبقي هو على إصراره بأن لا يرفعها حتى تأزمت الحال فاستدعى المفتش رجل البوليس، فأمر بوقف القطار حتى تحل المشكلة وجاء البوليس، وسأل الرجل لماذا لا تريد تطبيق النظام وترفع هذه الحقيبة على الرف؟ قال له: لأنها ليست حقيبتي! والتفت الى الثاني وقال له: أهذه حقيبتك؟ قال نعم، فقال له: وانت لماذا لا ترفعها؟ اجاب بكل برودة وغليونه في فمه، لأنه لم يطلب مني أحد ان أرفعها!

نكتة في البخل

 

الانجليز يقولون: ان اكبر ما يضايقنا من الاميركيين انهم يعيشون فوق مستوى التغذية، وفوق مستوى الجاذبية وفوق ارض انجلترا!

وهذا مثال عن طبع الاسكتنلدي، فالاسكتلنديون عرفوا بالبخل ولهذا فقد جاء التنكيت عليهم دائما من هذه الناحية فقالوا: ان رجلا اسكتلنديا كان يجمع مساء كل ليلة أولاده ويقول لهم، يا اولاد ان من ينام منكم هذه الليلة بدون عشاء أعطيه خمسة

فيرد الاميركيون بالقول: ان الشيء الحقيقي الذي يضايق الانجليز هو انهم يعيشون تحت مستوى الأجور، وتحت مستوى الجاذبية، وتحت قيادة ايزنهاور!

شلنات، فيقبلون كلهم وينامون بدون  عشاء، ويدفع لهم المبلغ، وفي صباح اليوم الثاني ينهضون من نومهم وقد أضناهم الجوع فيقول لهم: كل واحد يريد ان يفطر يجب ان يدفع لي خمسة شلينات، فيدفعون له صباحا ما اخذوه منه مساء. وبهذه الحيلة يوفر وجبة في كل مساء من الطعام بدون ان يخسر شيئا.

ولعل اجمل النكات التي تروى عن بخل الاسكتنلديين ان احدهم زار صديقا له، فوجد هناك ساعة معلقة على جدار الغرفة التي هو فيها، فلما شاهدها مدّ في الحال ساعته وأوقفها، ولما سئل عن سبب ذلك أجاب: ما دمت أعرف الوقت من الساعة التي على الحائط فلماذا أترك ساعتي تمشي بدون فائدة؟!

الحياة الامريكية

واذا اردتم ان تعرفوا شيئا عن حياة الاميركيين الاجتماعية والديمقراطية فاسمعوا هذه النكتة المضحكة، فقد قيل ان امريكيا التقى بانجليزي في احدى المنتديات العامة، فجلسا يتحدثان في مختلف الشؤون حتى تطرق الحديث بهما الى الحياة الديمقراطية والاجتماعية، فقال الامريكي:

انكم ايها الانجليز لا تفهمون معنى الديمقراطية ولا الحياة الاجتماعية الصحيحة فقال له الانجليزي، كيف ذلك؟ ونحن حصن الديمقراطية الحصين؟

قال له: انكم تدّعون ذلك ولكنكم في الحقيقة لا تفهمونها كما يجب.. فقال الانجليزي: طيب وانتم كيف تفهمونها؟

وهنا اعتدل الامريكي في جلسته وقال، سأروي لك قصة واقعية تستطيع من خلالها ان تفهم كيف تسير الديمقراطية في بلادنا:

لقد التحق موظف بالعمل في الصباح الباكر، وفي الساعة العاشرة زاره مدير الشركة ثم سأله:

هل انت سعيد؟

قال له: جدا.

قال له: أهناك ما يضايقك؟

قال له: أبدا، لا شيء على الاطلاق..

قال له: اذن لنشرب القهوة.

وشربا القهوة سوية، وفي الساعة الواحدة عاد المدير مرة اخرى لزيارة موظفه وقال له:

اظنك الآن في حاجة الى الغداء.

قال له : طبعا.

قال له: هل تسمح وتشاطرني غدائي؟

وتناولا طعام الغداء سوية.

وفي الساعة الخامسة عاد المدير مرة اخرى وقال له:

يكفيك اليوم ما قمت به واني اترك ك شخصيا تقدير مرتبك، ولا يكون هذا الا ونحن نتناول القهوة معا في مكتبي.

وبعد القهوة حدد الموظف لنفسه مرتبا ضخما، فوافق المدير في الحال، ثم دعا موظفه الى نزهة خفيفة في سيارته الخاصة.

ومرا بالسيارة على كفتريا انيقة ليتناولا مشروبا ثم عرض عليه بعد ذلك ان يتناولا طعام العشاء معا في محل معروف.. وبعد العشاء صحبه المدير بسيارته فأوصله الى بيته ثم تمنى له احلاما سعيدة.

وهنا فغر الانجليز فاه دهشة ثم قاطع رفيقه الاميركي قائلا، أهذا ما يحدث عندكم في امريكا؟

فاجابه الامريكي في ثقة: طبعا.

وعاد الانجليزي يسأله باستغرب وهل حدث ذلك معك؟

فأجابه الاميركي لا.. وانما حدث مع اختي.

 

قيمة الوقت في الشرق

والنكتة المعروفة عن امبراطور الصين تدلك دلالة صريحة على قيمة الوقت في الشرق، فقد قال له ان شركة اجنبية جاءت الى بلاد الصين م أجل مد خطوط حديدية فيها فمانع الامبراطور وتساءل عن معنى الخطوط الحديدية وفوائدها، فقال له أحد وزرائه؛ ان لها فوائد جمة اهمها انها تقرب المسافات، فبدلا من ان تقطع المسافة بين بكين وشنغهاي في شهرين يمكنك ان تقطعها في يوم.

وهنا ظهرت على وجه الامبراطور علائم الاستغراب وقال: طيب، وبقية الوقت، ماذا يفعل به المسافر؟

الروس والكذب

والنكات التي تروى عن الروس تدعي تأصل روح الكذب في نفوسهم، فقد قيل ان فلاحا روسيا في أحد ايام الحرب شوهد على قارعة الطريق يبكي ويندب سوء حظه، فمر به مختار القرية وسأله عن سبب بكائه:

اجباه : انني ابكي بسبب إبني.

قال له: وهل ابنك مريض؟

قال له: كلا، ولكني حائر في أمره، فاذا قلت للقاضي انه دون سنه الحقيقي أجبرني ان أرسله الى المدرسة، واذا قلت انه أكبر من سنه الحقيقية ألحقه حالا بالجيش.

فقال له المختار بدهشة، ولماذا لا تخبره عن سنه الحقيقي؟

وهنا انتبه الفلاح وقد بدت على وجهه دلائل البهجة والسرور وقال: فكرة جميلة .. انها لم تخطر ببالي قط.. فشكرا!!

 

الحياة العائلية في هوليود

وهذه هوليود، اذا قرأت التنكيتات التي قيلت عنها عرفت ما هي الحياة العائلية هناك فقد قيل ان فنانة دعت احدى زميلاتها الى تناول طعام الغذاء في منزلها، فسألتها الزميلة وقالت لها من سيحضر هذه الحفلة؟

قالت لها: سيكون فيها زوجي الاول مع زوجته الثالثة، وزوجي الثاني مع ابنته من الزواج الاول، وصديقة زوجي الحالي مع اخيها الذي يُحتمل ان اتزوجه.. وبطبيعة الحال سيحضر ايضا زوجي الذي سيعجبك كثيرا!

وهكذا ترون كيف ان النكتة تعبر عن احوال الشعوب وأخلاقها وطباعها، فكانت مرآة تعكس للانسان نقاط الضعف والوهن والعيب في كل شعب وكل أمة.

 

النكتة واخلاق الافراد

وكما تدل النكتة على أخلاق الشعوب والجماعات فانها تدل ايضا على أخلاق الافراد بالنسبة لمراكزهم ولصناعتهم وأعمالهم، فهناك نكات على التجار، ونكات على المحامين، ونكات على الاطباء وكلها تدل على نقاط ضعف في بعض الذين يمارسون هذه الصناعات.. أو تظهر الوجه السيء فيها.

فهذه نكتة عن التجار، وهي وان كان مبالغا فيها ففيها دلالة على عادات التاجر في بلادنا مع المعذرة من التجار طبعا.

قالوا ان أديبا كبيراً ذهب الى دكان ليشتري قطعة من القماش، فسأل البائع عن السعر قال له لقد بعت المتر بعشر ليرات.. ولكنه بالنظر لمحبتك وبالنظر لمكانتك بين الناس، فاني أبيعه لك بثمان ليرات.. فاعتقد الاديب ان البائع يعرفه لشهرته ويقدره حق قدره ولذلك أراد ان يراعيه بالسعر فخصم له ليرتين بالمتر.. وهكذا نقّده الثمن وقال له: لفها اعمل معروف وارسلها الى البيت.. وودعه ومشى.

ولكن صاحبنا البائع لحقه الى الباب مسرعا وقال له يا بيك: ما اعطيتني الاسم والعنوان.

 

تلفونك معطل!

ولم تترك النكتة المحامين فقالوا ان رجلا دخل الى مكتب محامي فظنه الخادم انه زبون فدخل على الاستاذ وقال له: هذا زبون جاء يطلب مقابلتك.

قال له لينتظر في الغرفة المجاورة وأخذ حضرة الاستاذ التلفون وصار يصرخ بصوت عال: الو اهلا وسهلا، نحن لا نزال على الموعد مع بعضنا سنتعشى سوية هذه الليلة لا تنس ان تستصحب معك وزير المالية ووزير الاقتصاد.

لقد كان يرفع صوته بهذه المكالمة ليسمعه الزبون فيوهمه بأنه على أحسن الصلات مع الوزراء وأصحاب الحل والعقد وانه المرجع الوحيد لحل مشاكل الناس. ولما انتهى من مكالمته هذه نادى الخادم وقال له: ليدخل الزبون.. فدخل، وبعد التحية والسلام سأله، ماذا تريد؟

اجاب: لا أريد شيئا وانما انا عامل تلفون وقد اخبرتني الادارة ان تلفونك معطل وقد جئت لأصلحه.

أشباح الموت!

وأما ما يتعلق بالاطباء فإليكم هذه الاسطورة الصينية:

قيل ان رئيس الأبالسة أصابه في أحد الايام مرض خشي ان يودي به، وكانت مملكته لسبب مجهول خالية من الاطباء، فأمر ان يذهب اثنان من الأبالسة الى الأرض ويأتياه بطبيب بارع، فقالا له، ولكن كيف نستطيع ان نميز بين الطبيب البارع والطبيب الجاهل، قال، ان الاطباء تزورهم دائما أشباح الموتى الذين قتلوهم  بسبب جهلهم، فآتياني بالطبيب الذي قلّت الأشباح حول منزله.

فأخذ الرسولان يتفقدان منازل الاطباء على الارض، فاذا عند كل طبيب عدد كبير من الاشباح، واخيراً وصلا الى منزل طبيب ليس عند بابه الا شبحان فقط لا غير، فحملاه الى المملكة السفلى، فلما صار أمام رئيس الأبالسة سأله هذا قائلاً:

كم صار لك وانت تتعاطى صناعة الطب؟

فأجابه الطبيب: يومان فقط لا غير!

وهناك نكات كثيرة رويت عن الموظفين، والقضاة والاساتذة والمهندسين وكلها عبارة عن تنفيس لما يشعره الناس نحو هؤلاء ولما يظن بهؤلاء، وهكذا فالنكتة دائما تعبر عن رأي الناس بكل مهنة وكل صنعة وكل عمل.

النكتة السياسية

بقي علي ان أبحث الآن في النكتة السياسي وهي بيت القصيد من هذه المحاضرة.

يقول الرئيس آيزنهاور، ان النكتة في الحرب تفعل اكثرمما تفعله القنابل. فاذا كانت القنبلة قد تقضي على بعض الجنود فان نكتة واحدة قد تقضي على جيش بكامله اذا انتشرت بين أفراده وأضعفت من معنوياتهم.

 

النكتة افضل من مئة مقالة

وكان غوبلز وزير الدعاية في حكومة الريخ يقول دائما، ان نكتة واحدة تعادل عندي مئة مقالة، وصورة كاريكاتور واحدة تعادل حملات عدة صحف في وقت واحد، ولهذا فقد كان همه في وزارته هو محاربة النكات والتصاوير الكاريكاتورية اكثر من محاربة المقالات والصحف الجدية والسبب في ذلك هو لاعتقاده ان النكتة السياسية تنتشر انتشار النار في الهشيم، فهي تتخطى كل حدود وتخرق كل ستار حديدي.

ولا اغالي اذا قلت ان الدول في الحرب الماضية كانت تتراشق النكات كما تتراشق القنابل تماما، وكانت كل دولة تسعى ان تنكّت على خصمها حتى تفتّ من ساعده وتضعف من معنوياته، وقد جاء في مذكرات الرئيس ايزنهاور انه عندما أصدر أمراً بالاستغناء عن احد أفراد هيئة اركان حربه لانه، كما جاء في نص الامر، ساعد على نشر ما يسيء الى العلاقات بين افراد القوات المحاربة من الانجليز والامريكيين.. وذلك لانه كان يروي بعض نكات عن الانجليز لكل من يقابلهم.

 

سلاح فعال

لقد كان الالمان يريدون ان يدسوا بين الامريكيين الانجليز فاوجدوا نكات وقذفهوم بها، وانتشرت بين صفوفهم. ومن جملة هذه النكات ان الانجليز يقولون: إن اكبر ما يضايقنا من الأميركيين انهم يعيشون فوق مستوى التغذية وفوق مستوى الاجور، وفوق مستوى الجاذبية وفوق ارض انجلترا!

فيرد الاميركيون على هذا فيقولون، ان الشيء الحقيقي الذي يضايق الانجليز هو انهم يعيشون تحت مستوى الاجور، وتحت مستوى الجاذبية، وتحت قيادة أيزنهاور!

ولعل أقسى نكتة وجهها الالمان الى الانجليز بقصد الدس والوقيعة بينهم وبين حلفائهم، هي يوم وقفوا وقفتهم الطويلة امام بلدة (كان) فقد قالوا، ان تشرشل خطب يومها وقال ان الامريكيين يساهمون في الغزو بالمعدات، والكنديين والاستراليين بالرجال، ونحن بالوقت!

وهناك نكات كثيرة لا مجال لسردها الآن كان يقذفها الالمان مع قنابلهم الى معسكرات الانجليز والامريكيين، ولكن الانجليز والامريكيين لم يقصروا في هذا الباب، فكانوا يردون على نكات الالمان بنكات أشد وأقسى.

كانوا يتهمون زعماء النازي بانهم يستغلون مراكزهم ويربحون أرباحا طائلة، فنشروا بعض نكات في هذا الموضوع، منها، ان جورنج ذهب ذات يوم الى شركة كبيرة لبيع  السيارات، وطلب شراء سيارة فاخرة، وكان ثمنها لا يقل عن الفي جنيه.

وانحنى مدير الشركة أمام الماريشال جورنج وأراه سيارة ليس هناك أفخر منها، وسأل جورنج عن ثمنها؟

واجاب مدير الشركة، ان ثمنها عشرون ماركا. أي جنيه واحد.

وبكل عظمة أخرج الماريشال ورقة مالية من ذات الخمسين ماركا وناولها لملدير قائلا:

اعطني سيارتين.. واحتفظ بالباقي!

 

كل الزعماء هنا!

ومن نكاتهم التي كانوا يقذفون بها الالمان مع قنابلهم وصواريخهم ان الوزراء الالمانيين كانوا ذات يوم يسيرون في برلين في جنازة قائد الماني قتل في إحدى المعارك الحربية. وفجأة تحسس الدكتور فرنك جيبه فلم يجد مفاتيح خزانة وزارة المالية.

وقال الوزير: يا نهار اسود.. لقد نسيت مفتاح الخزانة واخشى ان تمتد يد سارق الى الاموال التي فيها.

وهنا همس في أذنه أحد زملائه قائلا:

ما فيش خوف.. كل زعماء النازي موجودون هنا!

وقالوا، ان غوبلز خطب مرة وقال: ان الرايخ يفضل المدافع عن الزبدة.

وذهب زائر سويسري الى احد المطاعم في برلين وقُدمت له الزبدة.. فلما رأى اسودادها وفظاعة طعمها قال للجرسون:

الآن عرفت لماذا تفضلون المدافع على الزبدة!

ومن هذه النكات ان انجليزيا اجتمع بالماني وتحدثا عن الصلاة وما يقال فيها، فقال الانجليزي ان صلاتنا تبدأ دائما بالشكر لله.

قال له الالماني، اما نحن في المانيا فإننا نشكر هتلر!

قال له: واذا مات هتلر؟

قال له: عندئذ نشكر الله!

 

نكات خطيرة!

وكما كانت تتقاذف الدول المحاربة النكات بين الالمان والانجليز والامريكيين في زمن الحرب فان هناك نكات سياسية اشد خطراً تتبادل اليوم بين الدول الغربية والدول الشرقية. ولولا ضيق الوقت لكنت قد سردت لكم كيف ينكت الشيوعيون على الانجليز والامريكيين وكيف ينكت الانجليز والامريكيون على الشيوعيين.

وهكذا ترون اهمية النكتة في زمن الحرب بالنسبة للعلاقات الدولية حتى صار لا همّ للدول الا محاربتها والقضاء عليها قبل ان تنتشر ويظهر مفعولها.

 

النكتة والضرائب

والنكتة السياسية سلاح ماض تخيف وتؤثر، فقد قال مرة الرئيس روزفلت انه عدّل من نظام الضرائب بسبب نكتة كتبها المستر ارثر جفري قال فيها: تقول الاديان ان الله سيحرث الارض يوم القيامة.. ولكنه اذا بقي الحال على هذا المنوال فانه سيجد يوم القيامة ان التركة قد استهلكتها مصلحة الضرائب!

واضطر مرة وزير مالية انجلترا ان يطرح الثقة في مجلس العموم لأن جريدة الباتش كتبت نكتة قالت فيها ان الحكومة الانجليزية تنفق خمسين بنسا لكي تجمع مائة جنيه من الضرائب، واما المواطن فعله ان يكسب مائة جنيه ليبقى له خمسون بنسا بعد الضريبة!

لقد اثارت هذه النكتة الرأي العام وجعلت حزب العمال في مركز حرج فاضطرت الوزارة بسبب هذه النكتة ان تطلب الثقة على نظامها الضرائبي!

 

محاربة فرنسا بالنكتة

وقد حوربت فرنسا بالنكات في هذه البلاد كما حوربت بالثورات والقلاقل والاضطرابات، ولعل اقسى نكتة سمعتها، وتأثرت منها كثيراً لأنها صدرت في لبنان، هي ما نشرته جريدة البرق على ما اعتقد، لتعرب عن استياء اللبنانيين من فرنسا، ان امرأة عجوزاًَ كانت تقول لابنها: يا بني اذا مت قبل ان تأتي فرنسا الى لبنان فبرضائي عليك اذهب الى قبري ودق عليه بعصا وقل لي يا امي اجت فرسا الى البلاد لأن عظامي تنتعش عندئذ في قبرها!

وجاءت فرنسا وذهب الابن الى قبر أمه وقال له يا أمي لقد جاءت فرنسا الى هذه البلاد  فاذا اردت هاتي مطرحك وخذي مطرحي!

لقد كانت نكتة قاسية عطلت المفوضية تلك الجريدة بسببها، كما انها عزلت القائم على شؤون الدعاية والانباء لانه لم ينتبه الى صدور مثلها، وأوعزت الى جميع الصحف بعدم نشرها، ولا حاجة للقول انه بالرغم من كل هذا فان هذه النكتة قد انتشرت في لبنان على كل لسان وكان لها الاثر الكبير في نقد موقف اللبنانيين من فرنسا!

 

النكتة تنمي الروح الوطنية

ولا حاجة للقول عن انتشار النكتة السياسية في بلادنا وانتشار الصحف السياسية الهزلية، الأنها تصل الى قلوب الناس رأسا وتنفس لهم عن كبتهم، فهذه الصحف الهزلية استطاعت ان تعود الناس على قراءة الصحف، واستطاعت ان تبث في نفوسهم روح الوطنية الصحيحة لأنها وحدها التي وصلت اليه، لأن القارئ يتشرب هذه المبادئ وهو يقرأ نكتة أو يشاهدها رسما كاريكاتوريا.

والنكة ايضا علمت الناس الحياة الديمقراطية الصحيحة، لأن اكثر العامة والفلاحين واهل القرى كانوا يعتقدون ان سلطة الحاكم من الله وانه من الجرأة بمكان ان تتناوله بنكتة أو برسم يجعلك تظهره فيه بشكل مضحك، وكانوا يتعجبون كيف ان (المضحك المبكي) تشرشح هؤلاء الحكام وتهزأ بهم بالرسوم الكاريكاتورية المضحكة التي ترسمها لهم وبالنكات التي ترويها عنهم.. وكانوا يعتقدون ان صاحب (المضحك المبكي) يجب ان يكون مسنودا بقوة خارقة حتى انه يجرأ على ان يصور الرؤساء والوزراء بهذا الشكل، وكان صاحب المضحك المبكي اذا زار بلدة ما، يتجمع الناس حوله ليتعرفوا الى هذا البطل المغوار الذي لا يخشى الحكام فيجعلك في هيئاتهم ويسخر منهم!

 

 
 Web site designed and maintained by Yaser Kherdaji
Toronto - Canada
Copyright 2003 -
سوريا يا حبيبتي - سوريا اليوم
تصميم و إشراف ياسر خرده جي 
تورونتو - كندا
المقالات و الآراء و محتويات الصفحات المنشورة في موقعنا لا تعبر بالضرورة عن عن رأي الموقع و انما تعبر عن رأي كتابها